هندسة الأصول

الرئيسية › المقالات

الحلقة 5 · هندسة المال

عائد 10%؟ غالبًا ليس 10%

م. محمد فهمي · · قراءة 7 دقائق

تخيّل أمامك خمس فرص، وعلى كل واحدة منها عائد 10%: شقة مؤجرة، وسهم يوزّع أرباحًا، وصندوق عقاري متداول، وصندوق توزيعات شهرية، وصكوك. هل تعني الـ10% الشيء نفسه في الحالات الخمس؟ لا. والأخطر أن الرقم قد يكون صحيحًا حسابيًا مئة في المئة، ومع ذلك يقودك إلى مقارنة خاطئة؛ لأن المشكلة ليست في الآلة الحاسبة، بل في السؤال: ماذا يقيس هذا الرقم أصلًا؟

الدخل شيء… والنتيجة الكاملة شيء آخر

أول ما يجب فصله أمران يخلط بينهما كثيرون: الدخل الذي يدفعه لك الأصل، والنتيجة الكاملة للاستثمار. فقد يدفع لك أصل دخلًا نقديًا محترمًا بينما تنخفض قيمته، وقد يكون توزيع أصل آخر أقل لكن قيمته ترتفع. لذلك فكلمة «العائد» وحدها ناقصة أحيانًا: هل هو رقم دخل؟ أم رقم صافٍ؟ أم نتيجة الاستثمار كله، أي العائد الكلي (Total Return)؟

مثال افتراضي: استثمرت 100,000 في سهم يوزّع أرباحًا، وقبضت خلال السنة 10,000؛ أي دخلًا نقديًا 10%. فإن أصبحت قيمة استثمارك في نهاية السنة 90,000، فالنتيجة الكلية تقريبًا صفر قبل الرسوم والضرائب. وإن أصبحت 105,000، فلديك 10 آلاف توزيعات و5 آلاف زيادة في القيمة.

نسبة التوزيع نفسها، ونتيجتان مختلفتان تمامًا. ولهذا فالتوزيع وحده لا يكفي للحكم على الاستثمار.

الذهب: زيادة سعر لا دخل دوري

الذهب أصل استثماري ومخزن للقيمة عند كثيرين، وسعره قد يرتفع أو ينخفض. لكنه لا يدفع لك إيجارًا ولا توزيعات دورية؛ فإن ارتفع سعره، فعائدك آتٍ من زيادة السعر، لا من دخل يخرج من الأصل. وهذا وحده سبب كافٍ لئلا تضع كل الأصول تحت مسطرة واحدة.

أربع طبقات لفهم أي عائد

بدل أن ننظر إلى العائد كرقم واحد، نفككه إلى أربع طبقات:

الطبقةالسؤال
الدخلكم دخل لك نقدًا من الأصل؟
الصافيكم بقي لك بعد التكاليف المباشرة؟
قيمة الأصلماذا حدث لقيمة الأصل نفسه؟
القوة الشرائيةبعد التضخم، كم زادت قوتك الشرائية فعلًا؟

إن فهمت هذه الطبقات الأربع، ستقرأ أرقام العائد بطريقة أهدأ وأدق.

مثال الرياض: من 10% إجمالي إلى 8% صافٍ

نبدأ بالعقار لأنه أوضح مثال. لنفترض، للتوضيح فقط لا كأسعار سوق، شقة في الرياض قيمتها مليون ريال وإيجارها السنوي 100 ألف ريال. الحسبة المباشرة تعطي عائدًا إيجاريًا إجماليًا 10%، وهو رقم صحيح وفق الافتراض. لكن هل بقيت الـ100 ألف كلها للمالك؟

صيانة 10,000 + أثر شغور أو تحصيل 5,000 + إدارة ومصاريف 5,000 = 20,000 ريال. فيكون الصافي 80,000 ريال، أي عائدًا نقديًا صافيًا 8% بدل 10%.

وهذه أرقام تعليمية، لا متوسطات سوق ولا تقدير لعائد العقار في الرياض.

التجمع الخامس: الطريقة نفسها

الفكرة تنطبق في أي سوق. لنفترض شقة في التجمع الخامس قيمتها 10 ملايين جنيه وإيجارها مليون جنيه سنويًا، مع 200 ألف جنيه مصروفات افتراضية خلال السنة: الصافي 800 ألف، أي 8%.

المغزى ليس أن الرياض مثل التجمع، فلكل سوق ظروفه وتكاليفه ومخاطره، بل أن طريقة التفكير واحدة: إجمالي الدخل ليس صافي الدخل. وحين يقول لك أحد «العائد 10%»، اسأل: قبل ماذا، وبعد ماذا؟ فالاسم المكتوب بجانب الرقم مهم بقدر أهمية الرقم نفسه.

فخ صندوق التوزيعات الشهرية

هل هذا مقال عن العقار إذن؟ أبدًا؛ العقار فقط كشف المشكلة بسهولة. لنأخذ صندوق توزيعات شهرية: استثمرت فيه 100 ألف، ويوزّع عليك ألفًا كل شهر، أي 12 ألفًا في السنة. قد تقول: حققت 12%.

لكن التوزيع ليس الأداء كله. فإن أصبحت قيمة وحداتك في نهاية السنة 94 ألفًا بدل 100 ألف، فقد قبضت 12 ألفًا بينما انخفضت قيمة استثمارك 6 آلاف. والنتيجة الكلية تقريبًا 6% قبل الرسوم وأي ضرائب.

ومن المهم أيضًا أن تعرف مصدر التوزيع: هل هو من دخل حققه الصندوق؟ أم من أرباح رأسمالية؟ أم أن جزءًا منه إرجاع لجزء من رأس المال نفسه؟ وليس معنى ذلك أن التوزيعات الشهرية سيئة؛ فالتدفق النقدي المنتظم مهم جدًا أحيانًا. المقصود فقط أن نسبة التوزيع (Distribution Yield) ليست مرادفًا تلقائيًا للعائد الكلي.

الأسهم والصناديق العقارية المتداولة

والمنطق نفسه هنا: التوزيعات جزء من الصورة، وحركة سعر السهم أو الوحدة جزء آخر. فإن ركزت على أحدهما ونسيت الآخر، فأنت تقارن على أساس ناقص.

الصكوك والرسوم باختصار

في الصكوك المبدأ نفسه باختصار شديد: إن رأيت نسبة توزيع 5%، فلا تقارنها مباشرة بعائد أصل آخر؛ فسعر الشراء ومدة الاستثمار وشروط الإصدار قد تغيّر النتيجة.

وفي الصناديق عمومًا راجع الرسوم والمصاريف، واسأل: هل الرقم المنشور قبل الرسوم أم بعدها؟ وما الذي يدخل في الحساب أصلًا؟ فرسم صغير يتكرر سنة بعد سنة قد يصنع فرقًا في النتيجة النهائية.

التضخم: كم زادت قوتك الشرائية فعلًا؟

نأتي إلى الطبقة التي ينسى كثيرون حسابها: قيمة المال نفسه.

عائد اسمي 8% وتضخم 3%: التقريب السريع نحو 5% عائدًا حقيقيًا، والحساب الأدق (1.08 ÷ 1.03) − 1 ≈ 4.9%.

أي أن زيادة حسابك 8% لا تعني أن قوتك الشرائية زادت 8%. وهذا لا يلغي قيمة العائد الاسمي، لكنه يذكّرك بأن تسأل: كم زادت قدرتي الشرائية فعلًا؟

السيولة: ماذا لو احتجت أموالك بسرعة؟

أصلان قد يحققان العائد نفسه، لكن أحدهما يمكن تحويله إلى نقد بسهولة نسبيًا، والآخر يحتاج إلى وقت. والعقار مثال واضح: قد يكون أصلًا ممتازًا يولّد دخلًا، لكن إن احتجت إلى البيع بسرعة، فظروف الخروج نفسها تدخل في القرار، وقد تضغط على السعر الذي تستطيع البيع به. فالعائد لا ينفصل عن حاجتك إلى السيولة وتوقيت خروجك.

ثمانية أسئلة قبل مقارنة أي عائد

  1. عائد ماذا بالضبط: دخل أم عائد كلي؟
  2. محسوب على ماذا؟
  3. إجمالي أم صافٍ؟
  4. هل التكاليف والرسوم داخلة في الحساب؟
  5. ماذا حدث لقيمة الأصل نفسه؟
  6. قبل التضخم أم بعده؟
  7. إن كانت هناك توزيعات: من أين تأتي؟
  8. إن احتجت أموالي: هل أستطيع الخروج بسهولة؟

الخلاصة

  • هل العائد الإجمالي مفيد؟ نعم.
  • وهل الصافي ونسبة التوزيع مفيدان؟ نعم، كلٌّ في موضعه.
  • أين المشكلة إذن؟ أن نضع أرقامًا تقيس أشياء مختلفة جنبًا إلى جنب، ونقرر أن الأكبر هو الأفضل.

لا تسأل فقط «العائد كم؟»، بل اسأل: عائد ماذا؟ محسوب على ماذا؟ قبل ماذا، وبعد ماذا؟ فأصعب جزء في الاستثمار ليس دائمًا أن تُجري الحسبة، بل أحيانًا أن تعرف أي حسبة يجب أن تُجريها أصلًا.

المصادر

  • FINRA — Return and Rate of Return: finra.org
  • SEC Investor.gov — Fund Distributions: investor.gov
  • SEC Investor.gov — Mutual Fund and ETF Fees and Expenses: investor.gov
  • Investor.gov — Real Return: investor.gov
  • World Gold Council — Gold as a strategic asset: gold.org
  • الهيئة العامة للإحصاء — الرقم القياسي لأسعار المستهلك: stats.gov.sa

هذا المقال للتثقيف العام، ولا يتضمن توصية بشراء أو بيع أي أصل، ولا مشورة استثمارية شخصية. جميع الأمثلة والأرقام افتراضية للتوضيح، وليست أسعار سوق أو وعودًا بعوائد. تختلف المخاطر والتكاليف وشروط المنتجات، فارجع إلى المستندات الرسمية والجهات المختصة عند الحاجة.